فن

الأغاني ملاذ اليمنيين  في زمن الحرب .

عبدة تاج – ريشة

كلما زادت قسوة الحرب تضاعف  احتياج المتضررين منها إلى مواساة أكثر، ولذا كان الفن على مر العصور هو المواساة لمواجهة البشاعة  التي تنتجها صراعات البشر وأطماعهم خصوصًا في اليمن الذي يمر بمرحلة صعبة وواقع تعيس. والذي أيضاً يحفل بأغانٍ شعبيةٍ كثيرة، وموروث غنائي غزير من خلاله يستطيع هذا البلد تحمل الواقع المُعاش الذي تفرضه قساوة الحرب. فمع هذا الاحتياج الضروري ظهر كثير  من الفنانين الشعبيين في الأعراس والحفلات، فهم إما يغنون الأغاني التراثية أو يتجهون نحو  فن خاص بهم أو مرتبط  باليمني ومشاكله وأحزانه. فنانون قد نتفق أنهم لم يتنولوا الفن كمنهجية، إلا أن الأهم في هذه الظروف الراهنة تلبية لهفة الروح اليمنية الى  الفن ومقاومة القسوة. فكل فنان شعبيّ لديه جمهوره ومحبو صوته الذين يجسد لهم عزاءً مؤقتًا لواقع أفسدته السلطات الديكتاتورية.

هروب من واقع الحرب

بعيدًا عن آلية الأغنية وتطورها ،نحاول  تسليط الضوء على جانبها الإنساني أي تلك الرغبة العارمة للجوء إلى دائرة الغناء. فالشباب كما الشيوخ والنساء والأطفال يمتلكون هذه الرغبة وكذلك العمال أيضاً؛ ففي أغلب أماكن العمل تصدح هناك أصوات تغني مستمدة هذه العادة من أجدادهم الفلاحين الذين كانوا يستعينون بالمهاجلة “لون فني ريفي يؤدى بأصوات الفلاحين والعمال أثناء العمل “للاستعانة به على شد الهمم لإنجاز  العمل  الشاق. أما الآن فالحرب هي المشقة الكبرى و الوحيدة ربما في حياة اليمنيين ، ولذا كان على اليمني ذلك المواطن المحايد البسيط الذي لا ناقة له ولا جمل في هذه الحرب  والذي يئن تحت قبضة الحرب ونيرانها أن يزداد نزوعاً  للهروب من همومه. قد تبدو الحرب للوهلة الأولى قادرة على دفن روح الحياة لدى الآخرين إلا أنها بالمقابل  أيقظت في هذا الشعب وهجاً صارخاً لمقاومة الموت.

يحفظ الشاب اليمني الذي أجبرته الظروف على العمل والخروج من المدرسة العديد من الأغنيات ويستمع بلا حد لكل الأغاني التي تواسيه في مشاكله البسيطة وتعينه على مشاكل العيش الوجودية التي أفرزتها  الحرب. هي تلك الأغاني البسيطة فنياً وتقنياً إلا أن لها مفعولا عظيما قادرا على  منح  مستمعيها جرعة من السعادة. وبالطبع لا يعد الفن خلاصاً من هذه  المشاكل بقدر ما هو تخفيف من حدة النتائج وصون الروح الإنسانية من أن تصاب بالتوحش؛ فتفقد جوهرها الإنساني على حساب المتوحش. لا يعرف المواطن اليمني فوائد الفن التقليدية كتلك التي تُقرأ في الكتب، حيث الفن يخفف حدة العنف ويهدئ النفس، هو لا يدرك تنظيرا  كهذا، بل يفعل ما تمليه عليه تلك الروح التي تبحث عن الفرح وتجاهد على البقاء مرحة وسليمة في ظل أجواء هذه الحرب المرعبة. وكمثالٍ للوسائل التي يلجأ إليها الإنسان في الحرب لنسيان واقعه البائس، يلجأ الإنسان اليمني إلى الأغنية لنسيان الماضي والحاضر وكذلك المستقبل، فالفن “مخدر”  بالنسبة له ،ووجوده ضرورة لكي يشعر أنه ما زال حياً، فيستعيد روحه التي سرقتها هموم الحرب ومآسيها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى