فن

الدراما التلفزيونية تصنع الوعي الجديد

وجدي الأهدل – ريشة

يبدأ موسم الدخول الأدبي في فرنسا عقب نهاية الإجازة الصيفية، أي في شهر سبتمبر من كل عام، وتطرح دور النشر للتداول ما يُناهز السبعمائة رواية، وينتظر القراء حلول هذا الموسم السنوي بترقب وشغف.

“وعلى غرار هذا التقليد الفرنسي، ظهر موسم مشابه يخص المشاهد العربي، وارتبط هذا الحدث بشهر رمضان الكريم.”

هذا الدخول الدرامي يأتي في موعد سنوي لا يخلو من الإثارة وحبس الأنفاس، وله ذروة شاهقة من التشويق عقب مغيب الشمس، إذ يترتب على إعلان رؤية هلال شهر رمضان، انفجار يشبه قذيفة مدفع لعشرات المسلسلات المصرية والسورية والخليجية ولغيرها من الدول العربية، بجانب المسلسلات التركية والهندية والكورية المدبلجة.

وأول ما يلفت انتباهنا إلى هذه الظاهرة، هو الاستعداد النفسي الطيب للإنسان العربي في هذه الفترة الزمنية، لتلقي وتمثّل القيم والمضامين التي تحملها إليه الأعمال الدرامية.

بسبب الصوم، شيء ما يتغيّر في كيمياء الإنسان المسلم، فنجد الغشاوة المُتأتية عن الروتين اليومي للحياة تخف وطأتها، ومساحة التفكير تخلو من بعض الكراكيب الحاجزة، وتصفو روحه أفضل من أي وقت آخر، فيصبح أكثر قدرة على التفاعل الوجداني، والسماح بحدوث المعجزة في داخله فيتزحزح قليلاً عن وجهات نظره الراسخة. إنها قطعة من الدهر مناسبة لإيصال رسائل جمالية وأخلاقية للمشاهدين في جميع الدول العربية.

ما يحدث حالياً، هو فيضان غير نافع من المسلسلات التلفزيونية ذات الطابع التجاري التي يكاد يكون مشروعها التنويري غائباً، لأن الهدف الذي تسعى إليه هو التسلية، وأحياناً نرى بوضوح أن “التفاهة” مقصودة عمداً، بحجة أن العائلة العربية تبحث عن “الاسترخاء” بعد يوم طويل من الصوم!

ينبغي علينا الانتباه بشدة إلى أن المجتمعات العربية دخلت منذ عام 2011، وبسبب ثورات الربيع العربي، في مساق تاريخي مختلف تمام الاختلاف عمّا قبله، يلوح حتى الآن ضبابياً وغير واضح المعالم، والجادات الكثيرة قد تكون مجرد ظلال لا تؤدي إلى شيء..

في هذه الظروف المعقدة، ذات الطبيعة الانتقالية، وجد الخطاب الديني فرصته للانتشار، ونقل الثقل السكاني من خانة المجتمع المدني إلى خانة المجتمع المُفكك المُعادي لبعضه بعضا.. التاريخ يُكتب أمام أعيننا كل يوم، ونشرات الأخبار لا تفتر عن نقل الوقائع التي تؤكد النجاحات المتتالية المتعاظمة لخطاب العنف والإقصاء، وهزيمة الخطاب العقلاني التنويري الداعي للسلام والوئام.

هذا المشهد العربي “الواقعي” الآيل للخراب، المُنذر بعواقب وخيمة، يحتاج إلى التذكير بالبديهيات، والتأكيد على القيم الإنسانية التي تشمل كل البشر دون استثناء، وإعادة بناء المنظومة الأخلاقية من جديد.

من ذا الذي يمكنه صنع هذا الوعي الجديد؟ إنني أقترح “الدراما التلفزيونية” بالدرجة الأولى، وحتماً حينما تُبث في أوقات مُنتقاة، مثل حلول شهر رمضان المبارك.

يمكن للقطاع الخاص أن يستمر في الإنتاج التجاري للمسلسلات التلفزيونية، ٠وليس مطلوباً إلزامه بمضامين مُوجهة. لكن بالنسبة للحكومات العربية، فقد حان الوقت للتدخل، وإنتاج أعمال درامية جادة، تحمل توجهات مدروسة، ويسبقها عمل تحضيري طويل، يشمل استطلاعات للرأي العام، وأوراق عمل عن أزمات المجتمع ومشكلاته وجذور اضطراباته السياسية، وورش عمل احترافية، تصيغ في خطوط عريضة المبادئ والمثل العليا التي على ضوئها سوف يُكتب السيناريو.

إذا التزمنا بهذا النهج “العلمي” في الإنتاج الدرامي، فإننا سنحصل أخيراً على نوعية عالية الجودة من المسلسلات التلفزيونية، تحتوي على مضامين راقية، تحترم عقل المشاهد وتُنمّي فيه نزعة الخير.

علينا أن نستنجد بعلماء الاجتماع والمفكرين، وعلماء النفس وكبار المثقفين، ونخبة من الأكاديميين التربويين، ليمنحونا البذور الذهبية التي سوف تعطي ثمارها الطيبة من خلال دراما مبدعة وخلاقة.

مراكز الدراسات والأبحاث، والجامعات، يمكنها أن تساهم في مد كتاب السيناريو بالخلفية العلمية المطلوبة.

الارتجالية والعشوائية في كتابة سيناريوات المسلسلات، ومزاجية المنتجين، والعمل بآلية الكسب السريع، كل هذه أمور لم تعد مقبولة في واقع كابوسي كهذا الذي نعيشه، بل إنها تعد وصمة عار، وشيئاً يتأفف منه الضمير.

إن القضايا التي يمكن لكاتب السيناريو أن يعالجها لا ينبغي أن تكون ظرفية، أو ذات طابع مباشر فج، لأنها ليست دراما توجيهية، ولا هي عصا للتلقين. كما أنه ليس من حق كاتب السيناريو أن يكون سجالياً، فيقع هو ذاته في الفخ الذي عليه تحذير مواطنيه من الإغراق فيه

مثلاً يمكننا أن ننتج عشرات المسلسلات التلفزيونية عن الإرهاب، لكننا لن نتمكن من التأثير على وعي الشبان وتنفيرهم من حمل السلاح واللجوء إلى العنف.

سوف ندرك أننا بحاجة إلى معالجات أكثر عمقاً، والحفر بحثاً عن الجذور. إحدى المشكلات المزمنة في الجغرافيا العربية هي الطبقية الاجتماعية الوراثية، وإذا نحن أزلنا القشرة الرقيقة من الطلاء المدني، عن وجه الإنسان العربي، فسوف نُفاجأ بمقدار ما يحمله من عنصريات متعددة ممتدة لا تكاد تُفلت أحداً، سواءً من بني جلدته، أو من الغرباء عنه. هذا وباء الأوبئة، وهو مسكوت عنه، والاقتراب منه محظور، ولذا تمس الحاجة إلى معالجته بأكبر قدر ممكن من الشفافية والنزاهة.

إن الطفل العربي الذي يتشبع بهذه العنصرية عفوياً، سوف تُوجّه سلوكه مستقبلاً، وقد يسعى إلى ممارستها لا شعورياً تحت غطاء ديني، ثم تكتمل الحلقة المُفرغة بصيرورة التدين ملمحاً من ملامح العنصرية العقائدية المزهوة بنفسها، والواثقة من امتلاكها للحقيقة المطلقة.

تحسين أوضاع المرأة في الريف والمدينة، ومنحها المزيد من الحقوق، من القضايا التي ينبغي أن تحتل رأس الأولويات. ويمكن للدراما التلفزيونية أن تُعدّل وتُغيّر في الرأي العام عن حق المرأة في التعليم والعمل واختيار شريك الحياة، وغيرها من الحقوق الطبيعية التي تساعد – على المدى البعيد- في جعل المرأة العربية ذات شخصية سوية، ناضجة عقلياً وروحياً، لتتمكن من تربية أطفالها تربية صحيحة، فتعكس عليهم قوة شخصيتها وثقافتها وضميرها الحي.

هل سيكترث المشاهد العربي عندما نقدم له مسلسلات تلفزيونية عن التسامح المذهبي؟ أظن أن الجواب هو “نعم”. لكن ما نخشاه هو أن تتجاوز هذه ال”نعم” المدى المعقول، فلا يجري التسامح في عرضها!

أعتقد أنه من الواجب أن تحزم الحكومات العربية أمرها، وتتقبل الفكرة الثورية التي تقول إن الموجة الجديدة من الأعمال الدرامية ينبغي أن تثير نقاشاً عاماً، ونوعاً حميداً من الجدل في أوساط الناس. بدون هذا التفاعل، لن تكون الأعمال الدرامية الممولة حكومياً سوى مساهمة بائسة في استهلاك أوقات فراغ المواطنين.

تهدف الأعمال الدرامية المستندة على معطيات المراكز البحثية إلى المساهمة الفعالة في التنمية البشرية. عندما يتفهم المواطن احترام الأديان وكافة العقائد والمذاهب، فإن هذه خطوة جبارة باتجاه إقرار السلم الاجتماعي.

نحن الآن في معركة أفكار، والفكرة هي الرصاصة التي تندفع للخروج من حجرة النار إلى أدمغة ملايين البشر. وقد ثبت عبر مختلف العصور أن القوة لا يمكنها أن تمحو فكرة.. والحل -ضمن حلول كثيرة طبعاً- هو تكثيف الأعمال الدرامية الجادة التي تُبطل مفعول الفكر الضحل، وتُرسخ في المجتمع أفكاراً مرتبطة بالحضارة والعمران، تُقدّس الحياة المُنتجة، وتُقدّر الجنس البشري ككل. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى