محمد المخلافي – ريشة
شعرتُ وأنا أشاهد الحلقة الاولى من “لصوص العمارة” أن الضحكة التي انفجرت في صدري كانت أقرب إلى شهقة مكبوتة، مشهد بسيط، رجل يحاول سرقة كيس أرز من عمارة متهالكة، يتعثر في درج مكسور، يسقط، ينهض بسرعة ويهمس لنفسه “الدنيا صعبة يا رب”، ثم يستمر في محاولته..ضحكتُ أثناء هذا المشهد قليلًا لكن الضحكة توقفت فجأة، فهل نضحك لأننا نعرف الجرح جيداً، أم لأننا نريد أن ننساه للحظةً واحدة.
أما في “مدرسة المشاغلين”، يأتي الضحك من مكان آخر. طالب يقلد المعلم بطريقة مبالغة، يسقط الطباشير، يرتمي الجميع في الضحك، لكن خلف هذه المشاهد يلوح سؤال: هل هذه المدرسة تمثل واقع التعليم اليمني المنهار، أم أنها محاولة لإعادة بناء طفولة مسروقة بالحرب؟ شعرتُ بالحزن يتسلل إليّ وأنا أرى الوجوه الشابة تتظاهر بالتمرد؛ ففي الواقع، الكثير من الأطفال اليمنيين لم يعودوا إلى مقاعد الدراسة منذ سنوات، والمدارس أصبحت ملاجئ أو أطلالاً.
“لصوص العمارة” الذي يعرض على قناة يمن شباب وتم تصويره في تعز، بميزانية متواضعة جداً كعادة الإنتاج اليمني تحت وطأة الحرب والانقسام. أبطاله صلاح الوافي، سالي حمادة، أماني الذماري، سمير قحطان، وعودة لافتة ل أدم سيف. أما “مدرسة المشاغلين” على القناة ذاتها، فيجمع محمد قحطان ومحمد الأموي وآخرين من نجوم الكوميديا اليمنية، في قالب كوميدي مدرسي يعتمد على الفوضى اليومية والرسائل الاجتماعية الهادفة المبطنة.
الإنتاج الموسمي الرمضاني اليمني هذا العام يشهد تنافساً شرساً بين نحو ثمانية إلى تسعة أعمال رئيسية، منها “ملوك اليمن”، “دروب المرجلة 3″، “عيال صالح”، “الضايعة”، “عنبر خمسة”، “عهد الأحرار”. ويلاحظ أن الكوميديا سيطرت على الصدارة هذا العام، وهذا جيد لأن الجمهور يبحث عن متنفس في ظل الجوع والفقر، والنزوح، وانهيار الخدمات.
فنياً، “لصوص العمارة” يبرع في بناء الحلقات المنفصلة: كل حلقة قصة مستقلة، لكنها مترابطة بخيط رفيع هو “العمارة” كرمز للمجتمع اليمني المتهالك. الحوار لهجة يمنية أصيلة (تعزية)، سريع، لاذع، يعتمد على المفارقات اليومية: سرقة كهرباء، تزوير أوراق، محاولات بيع وهم.
الإخراج في المسلسل بسيط، لكنه ذكي في استخدام الإضاءة الطبيعية الخافتة ليعكس الواقع دون تصنع، والموسيقى خفيفة، لا تطغى، بل تترك المجال للضحكات والتنهيدات… من خلال الحلقة الاولى يلاحظ المشاهد أن أداء صلاح الوافي وسالي حمادة فيهما تعابير وعفوية تجسد شرائح اجتماعية متنوعة، كالبائس الذي يضحك ليبقى، والمرأة التي تقاوم بذكاء.
،
ومن الناحية الفنية للحلقة الاولى ل “مدرسة المشاغلين” لاحظت ان المسلسل يعتمدةعلى الإيقاع السريع، المبالغة الكوميدية، والشخصيات النمطية – المعلم الغاضب، الطالب الشقي.
صحيح أن الحوار أقل عمقاً، لكنه يحمل رسائل تربوية مباشرة أحياناً. التصوير داخلي غالباً، محدود الميزانية، لكن الأداء الجماعي يعوض…محمد قحطان يقدم طاقة عفوية تجعل الفوضى ممتعة.
كلا المسلسلان، يعكسان اليمن الذي أرهقته الحرب بصدق: الفقر الذي يجعل الإنسان “لصاً” اضطرارياً، التعليم الذي أصبح فوضى أو غياباً، لكن كلاهما لا ينتقدان السلطة مباشرة؛ يسكتان عن أسباب الانهيار الحقيقية (الحرب، الفساد، الانقسام الطائفي- المناطقي)، الكوميديا هنا تهرب جزئياً، لكنها تكشف الجرح بالسخرية.


