سحر علي – ريشة
يقف ذلك الفتى الصغير محدقًا بـ ارتياعٍ إلى الأطفال وهم يتنافسون على قطفِ حباتِ التوتِ من على الشجرة، شجرةٌ ضخمةٌ تتمايل مع رياح هذه المدينة مصدرةً صوت حفيفٍ موسيقيّ، منتصبةً بجانب بيت مجنون الحي. ذلك المجنون الذي فقد عقله بعد أن علم أنه لم يكن سوى طفلٍ متبنى من قبل من كان يظنهم عائلته.
سبب خوف هذا الفتى لم يكن ذلك المجنون أو حتى أنه يعاني من الهايلوفوبيا, بل كانت حبات التوت الصغيرة هي من تخيفه! لطالما أعتقد بأن حبات التوت تلك محشوةً بالجنون و إذا ما حدث و تذوقها يومًا سيجن.
مرت الأيام و مازال ذلك الصغير يراقب شجرة التوت وحباتها التي استحالت لعسلٍ فوق الأسفلت. في وقت الشروق و السماء بدأت تتزين بـ أشعتها البرتقالية رأى الصغير أحد سكان الحي و قد قام بجمع الكثير من ثمرة التوت، كانت يديه تفيضان توتًا، لم يستطع حينها مقاومة كل هذا الإغراء الشهي و كـ انتقامٍ لضجيج عقله المزدحمِ بالأفكار الغريبة أخذ حبتين وتذوقهما مغمضات عينيه, مستشعرًا حلاوتهما، مستنكرًا لما يحدث معه، ليستحضر في باله سؤالًا كان قد قرأه في إحدى رفوف مكتبةِ والده لفان جوخ: “ما الذي يصنعه العقل بنا؟ إنه يفقد الأشياء بهجتها ويقودنا نحو الكآبة!” فأكمل بهمسٍ مرددًا: فلنرى إذن ما الذي سيصنعه التوتُ بنا؟ إلا أنه بعد أن أفاق من تلك النشوة و أدرك أنه ابتلع حبات التوت المحشوة بالجنون بدأ يبحث بهلعٍ عن طريقةٍ لإنقاذ نفسه. راودته فكرة ما.. ماذا لو سأل نفسه في كل ليلةٍ ثلاث أسئلةٍ يعرف جوابها حق المعرفة وإذ ما حدث ولم يُجِب عليها سيدرك حينها أنه قد جُن وفقد عقله.. كان أول هذه الأسئلة عبارةً عن سرد سورة الحجرات, يليه تعريف الريبوسومات ,ثم ذِكر عدد ذرات الكربون في حلقي الهكسان.
استمر ذلك الصغير على الإجابة عن تلك الأسئلة خوفًا من الجنون إلى أن تقدم في العمر. وفي أحد الأيام توقف أمام تلك الشجرة ينظر لها بهدوءٍ ثم اقترب من جذعها هامسًا: سؤالٌ تلاشى من الذاكرة، أما الآن فلم يتبقى لي سوى سؤالين وأتعفن جنونًا.

